عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
314
اللباب في علوم الكتاب
في الليل إلى مقصده وإلى القبلة ، وأيضا إنها زينة السماء كما قال : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [ تبارك : 5 ] وقال : إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [ الصافات : 6 ] ومن منافعها أيضا كونها رجوما للشياطين ، ثم قال : « قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنّ هذه النجوم كما يمكن أن يستدلّ بها على [ الطّرقات في ظلمات البر والبحر فكذلك يمكن أن يستدلّ بها على ] « 1 » معرفة الصانع الحكيم ، وكمال قدرته وعلمه . والثاني : أن يكون المراد هاهنا من العلم : العقل ، فيكون نظير قوله تعالى في سورة البقرة : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله : لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ البقرة : 164 ] وقوله في آل عمران : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ إلى قوله : لِأُولِي الْأَلْبابِ [ آل عمران : 190 ] . [ الثالث : ] « 2 » أن المراد من قوله : « لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » أي : لقوم يتفكّرون ويتأملون ، ويستدلون بالمحسوس على المعقول ، ويتنقلون من الشّاهد إلى الغائب . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 98 ] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( 98 ) وهذا نوع رابع من دلائل وجود الإله سبحانه وتعالى وكمال قدرته وعلمه ، وهو الاستدلال بأحوال الإنسان ، فقوله : « مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ » ، يعني آدم عليه الصلاة والسلام ، وهي نفس واحدة ، وحواء مخلوقة من ضلع من أضلاعه ، فصار كل [ الناس ] « 3 » من نفس واحدة ، وهي آدم . فإن قيل : فما القول في عيسى ؟ فالجواب : أنه مخلوق من مريم التي هي مخلوقة من أبويها . فإن قيل : أليس القرآن الكريم دالّ على أنه مخلوق من الكلمة أو من الروح المنفوخ فيها ، فكيف يصح ذلك ؟ ! . فالجواب : أن كلمة « من » تفيد ابتداء الغاية ولا نزاع أن ابتداء عيسى عليه الصلاة والسلام كان من مريم ، وهذا القدر كان في صحّة هذا اللفظ . قال القاضي « 4 » : فرق بين قوله تبارك وتعالى : [ « أنشأكم » وبين قوله : « خلقكم » لأن أنشأكم يفيد أنه خلقكم لا ابتداء ، ولكن على وجه النمو والنشوء لا من مظهر من الأبوين ، كما يقال في النبات : إنه تعالى أنشأه بمعنى ] « 5 » النمو والزيادة إلى وقت الانتهاء .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : الإنسان . ( 4 ) ينظر : الرازي 13 / 84 . ( 5 ) سقط في أ .